![]()
![]()
أبانا الذي فى السماوات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما فى السماء كذلك على الأرض. خبزنا كفافنا أعطنا اليوم. واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا. ولا تدخلنا فى تجربة، لكن نجنا من الشرير. لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين (1) نطق الرب بهذه الصلاة أثناء موعظته الشهيرة من فوق الجبل. وهى تلك العظة المسجلة فى إنجيل متى 5-7 وكان الرب يتحدث عن ممارسات البر المتنوعة من صدقة وصلاة وصوم، ويحذر من أسلوب المرائين فى أعمال البر السالفة الذكر. والرب فى الأعداد التى تضمنت نطقه بهذه الصلاة عالج ثلاثة أمور هى: 1- مكان الصلاة (ع5،6) 2- كيفية الصلاة (ع7،8 ) 3- محتويات الصلاة (ع9-13) ثم تذييل عن الصلاة (ع14،15) أو بالحرى عالج الرب هذه الأفكار الثلاثة : أين وكيف وماذا نصلى * مكان الصلاة، أو تحذير من صلاة المرائين بدأ الرب تحريضاته وتحذيراته بالقـول: «ومتى صليت». وهذا معناه أن الرب يتوقع من تلميذه أن يصـلى، فالصلاة هى فى الواقع أنفاس القديس. وكما يستحيل أن ترى كائناً حياً لا يتنفس، فإنه يستحيل أيضا أن تجد قديساً لا يصلى. بل إن المؤمن الحقيقى ليس فقط يشعر بحاجته إلى الصلاة لله، بل هو يتلذذ بها أيضا. ولهذا فمع أننا لا نجد فى العهد القديم وصية واحدة بالصلاة، إلا أن كل رجال الله فى ذلك الزمان كانوا رجال صلاة. ونفس الأمر نجده أيضا فى العهد الجديد، فعندما تقابل الرب مع شاول الطرسوسى وغيَّره، فإنه ما أن دخل إلى دمشق حتى بدأ يصلى، والرب طمأن حنانيا من جهته بالقول «هوذا يصلى» (أع9: 11). ولنا أن نتساءل: ألم يكن شاول الفريسى يصلى قبل ذلك؟ ألا يخـبرنا الكتاب المقدس أن الفريسيين مولعون بالصلاة، وأنهم يطيلون الصلوات (مت 23: 14)؟ إذاً فلقد كان شاول وهو فريسى يصلى قبل أن يتقابل الـرب معه ويُغيِّره، فلماذا يقول الرب عنه الآن «هوذا يصلى»؟ ذلك لأن الفارق كبير بين صلاة وصلاة، بين أن تردد بشفاهك كلمات وبين أن تسكب قلبك أمام الله. إن الفريسى المتدين قد يبرع فـى الأولى، لكن المولود من الله وحده هو الذى يمارس الثانية. وما أبعـد الفارق بين شخص ميت روحياً يتلو صلوات، ولو طالت، وبين صرخة نابعة من مولود فى الخليقة الجديدة، هى صرخة الاتكال والاعتماد يبعثها إلى مصدر ولادته؛ الله. يقول الرب «ومتى صليت فلا تكن كالمرائين فإنهم يحـبون أن يصلوا قائمين فى المجامع وفى زوايا الشوارع لكى يظهروا للناس. الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم». يقول الرب عن هؤلاء المرائين إنهم يحبون أن يصلوا. ولو انتهت العبارة هنا لكان ذلك شيئا عظيماً حقاً. لكن العبارة التى تلت ذلك أظهرت أنهم بالأسف لا يحبون الصلاة، ولا يحبون الله الذى إليه يصلون، بل هم يحبون ذواتهم، ولهذا فهم يحبون أن يراهم الناس وهم يصلون. إن أولئك المرائين، أصحاب الوجهين، يجيدون الجمع بين النقيضين؛ بين الصلاة التى هى تعبير عن الضعف والاعتماد على الله، وبين الكبرياء الذى يميزه الولع بمدح الناس. إنهم هم الذين وصفهم الرسول بولس بالقول «لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها» (2تى3: 5). وعندما يقول الرب عن هؤلاء المرائين «إنهم يحبون أن يصلوا قائمين»، فإن العيب طبعاً ليس فى الصلاة وهم قائمون، أى واقفون؛ فالمسيح صلى واقفاً (يو11: 38-42) وطلب من تلاميذه أن يصلـوا وهم وقوف (مر11: 25). ولا الخطأ هو أن تصلى أمام الناس، فالمسيح فعل ذلك مرات. بل إن الرسول بولس صلى على شاطـئ البحر (أع21: 5)، كما وصلى فوق السفينة وسط الرجال الوثنيين (أع27: 35)، وعلّم أن يصلى الرجال فى كل مكان رافعين أيادى طاهرة (1تى2: 8). كلا، إن المشكلة ليست فى الصلاة أمام الناس بل فى أن أولئك المرائين يحبون أن يصلوا قائمين لكى يظهروا للناس. المشكلة هنا هى فى ميل القلب البشرى لأن يرانا الناس ونحن نصلى. فالمرائى يصلى إلى الله لكن كل قلبه متجه نحو الناس. إنه يرفع عينيه نحو السماء وهو يتمنى أن كل إنسان يحول نظره إليه كيما يراه وهو يصلى. *هناك مناسبة ثانية فيها ذكرت هذه الصلاة واردة فى لوقا 11: 2-4 عندما كان المسيح كعادته يصلى منفرداً، ولما فرغ من الصلاة سأله واحد من تلاميذه أن يعلمهم الصلاة كما علم يوحنا تلاميذه. فذكر لهم الرب هذه الصلاة.. صلِ إلى أبيك الذى فى الخفاء لهذا فإن الرب يواصل حديثه قائلا «وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصل إلى أبيك الذى فى الخفاء. فأبوك الذى يرى فى الخفاء يجازيك». والمقصود هنا بدخول المخدع هو أن تبعد كل واحد من فكرك، ولا تنشغل إلا بأبيك الذى أنت فى حضرته. وغلق الباب خلفك يعنى أن تعزل فى الخارج كل مشغولية بأى شئ وبأى إنسان وتنفرد مع الله وحده لتسكب قلبك قدامه. إن غلق الباب هو بكلمات أخرى يعنى أنك ما عدت تتعامل مع المنظور بل مع غير المنظور. لكن اسمح لى أن أقول لك: ما قيمة الدخول إلى المخدع وغلق الباب خلفك إذا كنت وأنت فى هذا المكان المستتر لازلت تفكر فى الناس الذين لاحظوا دخولك المخدع لتصلى، وكيف أنهم سيعرفون عنك أنك رجل صلاة؟! ليس أن وجودك فى مخدع حرفى بلا قيمة، فلا شـك أنه امتياز عظيم أن يتوفر لك هذا المكان الذى تتمتع فيه بالخلوة مع الله دون سواه. وإذا كان سجودنا يسمى فى العهد الجديد الدخول إلى الأقـداس، وإذا كانت صلاتنا تسمى الاقتراب إلى عرش النعمة، وهو بعينه كرسى الرحمة فى العهد القديم؛ أو بالحرى غطاء التابوت داخل قدس الأقداس، فكيف كان هذا المكان فى العهد القديم؟ لقد كان مكاناً معزولاً تماماً ومن كل الجهات عن العالم الخارجى. هكذا ينبغى أن يكون وضعنا ونحن نقترب من الله. وإن كان من الجميل أن يكون لك خلوتك فى مكان بعيد عن الناس وعن الضوضاء، لكن يظل قصد الرب الحقيقى أبعد من مجرد الشكل الخالى من المضمون. إنه يهمه فى المقام الأول حالة القلب. وبهذه المناسبة أقول إنه لا زال حتى اليوم من يظن أن الصلاة لا تُسمع ولا تُستجاب إلا فى أماكن معينة. ولازال إلى اليوم من يعتبر أن أماكن العبادة هى التى ينطبق عليها قول الكتاب المقدس فى العهد القديم «بيتى بيت الصلاة يدعى» (إش 56: 7)، متجاهلين الإعلان العظيم الذى قاله الرب للمرأة السامرية «يا امرأة صدقينى إنـه تأتى ساعة لا فى هذا الجبل ولا فى أورشليم تسجدون للآب» (يو4: 21)، ومتجاهلين أيضا قول الرسول إن بيت الله الآن هو جماعة المؤمنين «وبيته نحن» (عب3: 6). إن قول الرب هنا أن «ادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلِ» يوضح لنا أن هذا الفكر بعيد تماماً عن فكر الله. أبوك الذى يرى فى الخفاء يجازيك ادخل إلى مخدعك إذاً، وابعد الكل عن تفكيرك وأنت فى محضر الله. واعلم أنك إذا أغلقت باب مخدعك خلفك، سيفتح لك الله باب السماء فى وجهك. وإذا انشغلت به وحده، سيصغى هو إليك. و«إن.ألقيت التبر على التراب وذهب أوفير بين حصا الأودية... حينئذ تتلذذ بالقـدير وترفع إلى الله وجهك. تصلى له فيستمع لك» (أى 22: 23-27). نعم سيستمع إليك؛ سيستمع إليك أينما كنت. وسيستجيب طلـباتك مهما بدا الأمر مستحيلاً، طالما كان ذلك بحسب مشيئته (1يو5: 14). لقد صلى يونان من جوف الحوت، فقذفه الحوت إلى البر (يون1،2). وصلى الملك حزقيا فى مرضه فشفاه الله من موت محقق (إش38). وصلى دانيال النبى فى الأسر فأتاه جبرائيل الملاك بأخبار السماء (دا9). وصلى نحميا وهو واقف قدام الملك فأعطاه الرب نعمة فى عينيه (نح2) وصلى زكريا أبو يوحنا المعمدان طالباً زرع بشر فأعطاه الله أعظم المولودين من النساء (لو1) وصلت الكنيسة فى بيت مريم لأجل بطرس ففتح الرب أبواب السجن وأنقذ بطرس من كل انتظار شعب اليهود (أع12) وصلى بولس وسيلا وهما فى سجن فيلبى فانفتحت الأبواب وانفكت القيود وخلص السجان وجاء الفرج (أع16). لكن مهما كانت مجازاة الله الآن للذين يطلبونه فإن المجازاة العظمى على الصلاة لن تكون هنا، بل هناك عندما نقف أمام كرسى المسيح. فى ذلك اليوم سيلمع أبطال المخدع، وسنعرف قيمة تلك الخدمة الثمينة التى أعطاها الرب لكل شعبه رجالاً ونساءً لكى يمارسوها. وما أمجد المكافآت من الرب لهذه الخدمة السرية التى لم يكن هدفها قط استجلاب رضى الناس واستحسانهم، ولا نوال مجدهم وثنائهم. كيفية الصلاة أو تحذير من صلاة الوثنيين بعد أن حذر الرب تلاميذه من خطأ يقع فيه المراؤون، فقد واصل التحذير من خطأ آخر فىالصلاة يقع فيه الوثنيون. فالمـراؤون يحبون أن يظهروا للناس وهم يصلون، فجردوا الصلاة من سموها إذ أصبح الناس لا الله هدفها، وأما الأمم فهم فى صلواتهم يكررون الكلام باطلاً، فجردوا الصلاة من معناها، فما عاد عرض احتياجاتى على الله القدير هو المراد، بل مجرد تكرار كلام بقصد تكراره، ظناً منهم أنه بكثرة كلامهم يُستجاب لهم! كان الرب قد حذر فى الأقوال السابقة من السعى وراء المجد الباطل، وها هو الآن يحذر من تكرار الكلام الباطل. يقول الرب «وحينما تصلون لا تكرروا الكلام باطلا كالأمم، فإنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يُستجاب لهم. فلا تتشبهوا بهم». هنا أيضاً ليست المشكلة فى تكرار الكلام، بل إن تركيز الرب فى العبارة السابقة هو على كلمة «باطلاً»، أى أن المشكلة هى فى التكرار الباطل للكلام. لقد كرر المسيح صلاته فى بستان جثسيمانى ثلاث مرات (مت26: 39-44)؛ لكن الفارق كبير بين اللجاجة فى الصلاة، كما فعل المسيح فى البستان (لو22: 44) وكما فعل الرسول بولس عندما أعطاه الله شوكة فى الجسد (2كو12: 8)، وبين تكرار الكلام -كما يفعل الأمم- لمجرد التكرار. نتذكر ما فعله أنبياء البعل فى أيام إيليا النبى؛ لقد أخذوا يرددون بصراخ عال، وبلا توقف لساعات، نفس العبارة « يا بعل أجبنا». ولماذا هذا التكرار؟ ولماذا كان صياحهم المرتفع؟ السبب هو أن آلهتهم لا تسمع. لكن ليس فقط فى أيام إيليا، بل هناك حتى اليوم أشخاص يتصايحون بتشنج، وآخرون يكررون كلمة بعينها أو عبارة معينة أو صلاة ما عشرات المرات، لأنهم يظنون أن زيادة المرات ستجعل الله يسمعهم أكثر، أو يسر بهم أكثر. أو يكفِّر عن بعض ذنوبهم وخطاياهم التى اقترفوها! لكن ما أبعد هذه الأفكار عن أفكار الله التى يعلنها لنا الكتاب المقدس. أفكار وممارسات خاطئة يستخدم البعض ما يسمونه بالمسبحة لتكرار الصلوات المحفوظة عدداً معيناً من المـرات، فتتحرك الأصابع وتتحرك الشفاه، والوعى غائب أو ربما شارد فيما هو أبعد ما يكون عن الصلاة؛ فى شهوة أو نقمة أو طمع أو. . . ألا تنطـبق على هؤلاء كلمات الرب بفم إشعياء النبى «هذا الشعب قد اقترب إلىَّ بفمه وأكرمنى بشفتيه، وأما قلبه فأبعده عنى. وصارت مخافتهم منى وصية الناس معلَّمة» (إش29: 13). وهل نستطـرد ونذكر المطانيات وغيرها وغيرها؟ هل هذه تمُتُ إلى المسيحية بأيـة صلة؟ هل لها أدنى نصيب فى العبادة الصحيحة وفى السجود بالروح والحق؟! لكن دعنا نتحول إلى أنفسنا. ألسنا نحن أيضا عرضة للوقوع فى شرك التكرار الباطل؟ هناك من يحدد لنفسه زمناً معيناً ليصلى فيه؛ نصف ساعة مثلا أو ساعة. ويبدأ فى الصلاة ولا يمر الوقت الذى حدده لنفسه، ويبدأ فى تكرار ما سبق أن قاله. هذا الأسلوب خطأ، وخطؤه مزدوج. إن الصلاة يا أخى بعمقها تقيّم وليس بطولها تقاس. ثم لماذا تريد أن تظل فى محضر الرب مدة أطول؟ هل حباً فى الله أم حباً فى مديح الناس وهم يرونك وقد أخذت وقتاً طويلاً فى الصلاة؟ خذ مثلا آخر من اجتماعات الصلاة. يقف الأخ الأول ويسرد قائمة طويلة من الطلبات، ويأتى الذى بعده فيكرر القائمة بعينها (قد يضيف شيئاً إليها أو يحذف شيئاً منها، لكنها فى مجملها ذات الصلاة التى قالها الأخ الأول)، ثم يأتى الأخ الثالث ويفعل نفس الذى فعله أخواه السابقان، وهكذا يفعل كل المصلين من بعـدهم. لماذا هذا التكرار؟ ألم يسمع الرب من الأخ الأول الذى طلب؟! أولم نشترك جميعنا ككنيسة فى كلمة «آمين» فى نهاية الصلاة معلنين تضامننا القلبى مع الأخ الذى طلبها؟! والـرب فى هذه الأقوال العظيمة لا يكتفى بأن يبين الخطأ فحسب، بل إنه يرشد أيضاً إلى الصواب. فلما تحدث عن عدم التمثل بالمتدينين المرائين الذىن يحبون أن يظهروا للناس وهم يصلون قال «أما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك، وصل إلى أبيك الذى فى الخفاء». وهنا وهو يحذرنا من التشبه بالوثنيين فى تكرارهم الباطل للكلام قال لتلاميذه «إن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه». قد يقول واحد : طالما أن الرب يعلم احتياجنا، فلماذا نطلب؟ لكن لاحظ أن المسيح لا يقول إن الله يعطينا احتياجنا دون أن نسأل، بل إنه يعلمها قبل أن نسأل. لقد قال الرب هذا الكلام لكى يشجعنا على الصلاة لا لنكف عنها. ذلك أن الله حدد أن تكون الطريقة لحصولنا على عطاياه التى يعلمها هو جيدا هى الصلاة (يع4: 1-3). ثم إن الصلاة تجهزنا للاستخدام الصحيح لعطايا الله التى يهبها لنا كـاستجابة لصلواتنا، كما تجهزنا بالنعمة التى تلزمنا إذا رأى الله فى حكمته ألا يعطينا ما طلبناه منه. (2) فهمنا مما سبق أن الرب فى عظة الجبل حذَّر مستمعيه من الأسلوب الخطأ فى الصلاة؛ حذر من صلاة المرائين، وحذر من تكرار الكلام باطلاً كالوثنيين. لكنه لم يكتف بالتحذير من الخطأ بل أتبع ذلك بأن قدم الأسلوب الصحيح للصلاة. وبعد ذلك، وباعتباره - له المجد - المعلم الأعظم، قدم نموذجاً للصلاة، وهو بحق نموذج رائع. فصلاة المسيح التى سنتأملها الآن هى بدون أدنى ريب صلاة نموذجية وذلك لعدة اعتبارات:- أولاً : نظراً لإيجازها وتركيزها؛ فهى - بحسب ترجمتنا العربية - تحتوى فقط على 45 كلمة ولا يمكن اختصار كلمة واحدة منها. ثانياً: نظراً لبساطتها وتحديدها؛ فهى تعبر ببساطة، وبغير تعقيد عن حاجة القلب وحالته. ثالثاً: نظراً لشمولها واتساعها؛ فهى تشمل كل العناصر والموضوعات الرئيسية فى الصلاة؛ من رغيف الخبز اليومى وحتى ملكوت الآب فى السماوات الجديدة والأرض الجديدة. رابعاً: نظراً لتسلسلها وترتيبها للموضوعات ترتيباً رائعاً وبديعاً، كما سنرى. دعنا الآن نلقى الضوء على بعض نواحى عظمة هذه الصلاة الرائعة العظيمة. تتكون هذه الصلاة من عشرة أجزاء. الجزء الأول هو استهلال الصلاة، يليه سبعة طلبات، وتاسعاً يأتى ختام الصلاة ثم الجزء العاشر وهو كلمة «آمين». أولاً: استهلال الصلاة »أبانا الذى فى السماوات« ما أعظم ذلك الإعلان الذى نطق به المسيح هنا لأول مرة. ففى العهد القديم كان المؤمنون يخاطبون الله باعتباره المولى (تك18: 27، 30،31،32)، وباعتباره «رب الجنود» (1صم1: 11)، وباعتباره «الرب إله السماء» (نح1: 5)... أما التعبير «أبانا» فلم يستخدمه أحد من القديسين، حتى جاء المسيح وأعلن اسم الآب لنا كقوله «أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتنى... وعرفتهم اسمك وسأعرفهم» (يو17: 6، 26) فى موعظة الجبل وحدها أشار المسيح إلى اسم الآب 17 مرة (رقم النعمة فى الكتاب المقدس ). وما أجـمل أن نوجه الصلاة إلىالله باعتباره «الآب»، إذ قد دخلنا معه فى هذه العلاقة العجيبة السامية. فلفظة «أبانا» تفيد المحبة والصلاح، ثم إن عبارة «الذى فى السماوات» تفيد القوة والإمكانية؛ الرفعة والسلطان. فهو أب لا نظير لمحبته ولصلاحه، وإله لا حدود لقوته وإمكانياته. نعم إلى الله باعتباره أبانا نحن نرفع صلواتنا. لا نرفعها إلى ملاك ولا إلى قديس. فهل والحال هكذا هناك ثمة حاجة إلى تكرار ما نطلبه؟ أيمنع الآب خيراً عن أولاده؟! ثم إننا إذ نخاطب الله أبانا، فإننا نعرف أنه يسكن السماء «إن إلهنا فى السماء. كلما شاء صنع» (مز115: 3) ولهذا فإننا نرفع عيوننا نحو السماء حيث الله ساكن؛ من حيث تأتى البركة، ومن حيث يأتى العون. ونحن إذ نقترب إلى إلهنا هكذا فإننا نقترب إليه واثقين من محبته الأبوية، مقدرين لعظمته السماوية باعتباره فوق كل الخليقة، وكل الكون. يلى هذا الاستهلال سبعة طلبات(هى رقم الكمال) مقسمة إلى قسمين: الطلبات الثلاثة الأولى تخص الله، والطلبات الأربعة التالية خاصة باحتياجاتنا نحن. وهذا فى ذاته جميل؛ لأن الرقم 3 فى الكتاب المقدس هو رقم الله، أما الرقم 4 فهو رقم العالم والبرية وأعواز البشرية! وهو درس لنا أن ننشغل بأمور الله أولاً، ثم بعد ذلك بأمورنا نحن. تماماً كما كانت الوصايا العشر؛ ما يخص الله أسبق مما يخص الإنسان. فنحن لا نبدأ الصلاة بعرض طلباتنا أولاً، بل بتقديم العبادة لله. والطلبات الخاصة بالله هى: «ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما فى السماء كذلك على الأرض» 1- »ليتقدس اسمك« والاسم كناية عن الشخص. فنحن نبدأ صلواتنا، أول ما نبدأ، بتقديم التمجيد والتعظيم لاسم إلهنا الكريم. هذه هى الغاية العظمى وكل ما عداها تابع لهـا فى الأهمية. فنحن لا نطلب ما نطلب لكى ننفق فى لذاتنا (يع4: 3)، بل ليتقدس اسم الآب وليتمجد ويكرم. والمسيح هو قدوتنا فى هذا (يو12: 28). 2- »ليأت ملكوتك« فبعد أن نعلن السبح لاسمه، نطلب بخصوص ملكوته. وهو عين ما قاله المسيح لتلاميذه بعد ذلك «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزاد لكم» (مت6: 33). والملكوت المشار إليه هنا هو ملكوت الآب. ونحن نعلم أن هذا الملكوت سوف يأتى عندما يظهر المسيح بالمجد والقوة للعالم، وسيظهر المؤمنون معه، ويضيئون معه كالشمس فى ملكوت أبيهم (مت13: 43)، فيملكون معه على الأرض ألف عام، تمهيداً للملك الأبدى. 3- »لتكن مشيئتك كما فى السماء كذلك على الأرض« فما لم يأت ملكوت الآب ستظل الأرض مسلَّمة ليد الشرير، وستظل إرادة الشيطان وإرادة الإنسان تفسدان الأرض. لكن لا بد أن يأتى المسيح ليملك. وما أسعده عصراً عندما يملك المسـيح فتنفذ مشيئة الله على الأرض تماماً كما هى الآن منفذة فى السماء. فنحن نعرف أن جند السماء يتصفون بالطاعة الكاملة لله «ملائكته المقتدرين قـوة، الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه» (مز103: 20). أما علـى الأرض فيقول النبى وصفاً لأيامنا الشريرة هذه «يُرحم المنافق ولا يتعلم العدل. فى أرض الاستقامة يصنع شراً ولا يرى جلال الرب» (إش26: 10). لكن سيأتى وقت الفرج قريباً عندما يملك المسيح. ونفس النبى يقول «حينما تكون أحكامك فى الأرض يتعلم سكان المسكونة العدل» (إش26: 9). لاحظ ترتيب الطلبات: فالمؤمن عندما يقول «ليأتِ ملكوتك» فهو يفعل ذلك لأنه سبق وطلب أن يتقدس اسم الله. وما الذى يمنع أن اسم الله العظـيم يتقدس سوى أن الخطية قد ملكت، وأن الشيطان لا زال يعربد فى الأرض؟! لهذا تبع طلبته الأولى «ليتقدس اسمك» بالقول «ليأتِ ملكوتك»، عندما يأتى هذا الملكوت، عندئذ ستكون مشيئة الله متممة على الأرض تماماً كما هى متممة الآن فى السماء. بعد هذه الطلبات الثلاثة التعبدية، تأتى الطلبات الأربعة التالية وهى طلبات توسلية فيقول «خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا فى تجربة، لكن نجنا من الشرير» لقد كانت الطلبات السابقة مشغولة بالله أبينا، فاستخدم لذلك ضمير المخاطب ثلاث مرات : فيقول «اسمك»، «ملكوتك»، «مشيئتك». أما الطلبات الأربعة التالية فهى تخصنا نحن، فيستخدم ضمير المتكلم خمس مرات فيقول: خبزنا، أعطنا، اغفر لنا، لا تدخلنا، نجنا. ثم لاحظ أن المُصلِّى يتكلم بصيغة الجمع مشركاً إخوته معه فى الصلاة ذاكراً إياهم أمام عرش النعمة. فلا توجد فى الصلاة أنانية. الطلبة الأولى: »خبزنا كفافنا أعطنا اليوم« فالمؤمن يعتمد على الله حتى فى أعوازه الضرورية. وهذه الطلبة تمثل طلبنا لكافة الأعواز الخاصة بالجسد، أو إن شئت كافة الأعواز الزمنية. لكن لاحظ أنه لا يطلب شيئا للترفيه والتنعم، بل يطلب الحاجة الضرورية فقط «خبزنا كفافنا». كما أنه لا يطلب لكى يكنز، بل لاحتياج اليوم فحسب. الطلبة الثانية: »واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا« ولأن الكلام فى هذه الصلاة موجه للآب، فالغفران المقصود هنا هو غفران الآب لأولاده ليتمتعوا برضاه الأبوى، وليس المقصود الغفران الأبدى الذى يحصل عليه المؤمن الحقيقى فور إيمانه القلبى بالمسيح كقول الرسول بطرس «لـه يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به، ينال باسمه غفران الخطايا» (أع10: 43). والرب بعد أن ذكر هذه الصلاة النموذجية عاد من جديد لهذه النقطة بالذات نظراً لأهميتها إذ قال «فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوى. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم» (ع14،15). ثم عاد الرب ليؤكد على هذا المبدأ أيضاً فى مثل العبد الشرير الذى ذكره فـى متى 18: 21-35 حيث ختم المثل بالقول «فهكذا أبى السماوى يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته» فالمسيح لم يـأت فقط ليصالح الإنسان مع الله، بل ليصالحه مع أخيه الإنسان. والطلبة الثالثة: »لا تدخلنا فى تجربة« فكأن المؤمن بعد أن طلب الغفران بالنسبة للماضى وأخطائه، فإنه طلب النجاة بالنسبة للمستقبل وأخطاره، شعوراً منه بالضعف فى ذاته. والكتاب المقدس يحدثنا عن نوعين من التجارب، تجارب يأتى بها الله لامتحان إيماننا، وعنها يقول الرسول يعقوب «احسبوه كل فرح يا إخوتى حينما تقعون فى تجارب متنوعة» (يع 1: 2) ثم تجارب أخرى شـريرة، وعن هذه يقول الرسول يعقوب أيضا «لا يقل أحد إذا جُرِّب إنى أُجرَب من قبل الله، لأن الله غير مجرَّب بالشرور وهو لا يُجرِّب أحداً» (يع1: 13) فإذا فهمنا هـذا يبقى السؤال: كيف يطلب المؤمن من الله أن لا يُدخله فى تجربة؟ عن أى من هذين النوعين يطلب المؤمن؟ فواضح أن النوع الأول لا يمكن أن يكون المقصود لأنه نوع يستلزم من المؤمن الشكر عليه إذا جاء، والنوع الآخر لا يمكن أن الله يأتى به للمؤمن أصلاً. المعنى البسيط الذى يحل هذا الإشكال هو أن المؤمن يطلب من الله أن يحفظه من إرادته التى تضعه فى مكان التجربة «لكن كل واحد يُجرَّب إذا انجذب وانخدع من شهوته» (يع1: 14). فيطلب المؤمن الحفظ من فخاخ وشراك العالم الكثيرة التى بدون حفظ الآب للمؤمن لا يمكنه بمفرده أن ينجو منها. والطلبة الرابعة: »لكن نجنا من الشرير« والشرير هو الشيطان. فالمؤمن لا يشعر بضعفه فقط أمام التجربة فيطلب الإنقاذ منها، بل يعلم قسوة وشراسة العدو، وأفكاره من نحو المؤمنين، فيطلب من الله أيضاً الإنقاذ منه باعتـباره مصدر الشرور. نعم إن الله قادر أن يحفظنا من الشر والتجربة، فإذا وقعنا فيهما فإنه قادر أن يخرجنا وأن ينقذنا. وكما بدأت الصلاة بتمجيد الله، فإنها تختم أيضا بها، فيقول« لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد» وعبارة «لك الملك» تعنى أنك مطلق السلطان فى خليقتك، بل وفينا نحن أيضا. وتعنى أن الله يُعطى كملك، ويخلص كملك لا نظير له. وعبارة «لك القوة» تعنى أنه لا شئ يقف أمام مشيئتك، كقول أيوب «قد علمت أنك تستطيع كل شئ ولا يعسر عليك أمر» (أى42: 2) ثم إن عبارة «لك المجد» تجدها على لسان القديس دائما الذى يحس أنه لا يستطيع مهما قال أن يعطى لله المجد الذى هو جدير به. ثم تختم الصلاة بالقول «آمين» وهى كلمة من أصل عبرى تستخدم فى نهاية الصلاة بمعنى استجب أو ليكن كذلك. وفى العبادة فى الكنيسة يتوقع الرسول أن كل الحاضرين فى الاجتماع ينطقون بها فى آخر الصلاة أو الشكر، حتى العامى وغير المؤمن أيضاً (1كو14: 16)، فكم بالأحرى ينبغى أن ينطق بها جميع الإخوة والأخوات. «ويقول جميع الشعب آمين» (تث27: 15-26). حقا إنها صلاة نموذجية عظيمة أعطاها المسيح لنا لننسج صلواتنا على منوالها. (3) ذكرنا فى الفصل السابق أن الصلاة التى علمها المسيح لتلاميذه والواردة فى متى 6: 9-13 وفى لوقا 11: 2-4 هى حقاً صلاة عظيمة، ونضيف الآن أنه بالأسف قد أُسئ استخدامها. وسنتحدث الآن عن بعض الممارسات والأفكار الخاطئة بخصوصها. ملاحظة مبدئية اعتاد المسيحيون أن يسموا هذه الصلاة بالصلاة الربانية. لكن واضح أن هذه الصلاة لا يمكن أن تصدر عن المسيح إذ أنها تتضمن عبارات لا يمكن للمسيح أن يقولها عن نفسه مثل عبارة «اغفر لنا ذنوبنا». فهو المنزه عن الخطية والذنب «الذى لم يفعل خطية» (1بط2: 22)، و «الذى لم يعرف خطية» (2كو5: 21). وعليه فالتسمية الدقيقة لهذه الصلاة هى الصلاة النموذجية أو الصلاة التى علَّمها الرب لتلاميذه لا الصلاة الربانية، أما الصلاة الربانية بحق فهى تلك الواردة فى يوحنا 17. ممارسات خاطئة كثيرون من المسيحيين تعلموا هذه الصلاة من طفولتهم كيما يرددوها فى كل المناسبات. بل البعض تطـرف فى ذلك إذ يظن أن مجرد تكرار هذه الصلاة فى حد ذاته يجلب لهم البركة فى الحياة الدنيا والآخرة؛ مجرد التكرار الآلى لعبارات هذه الصلاة يجلب معه البركة. هكذا يظن الكثيرون فى المسيحية الاسمية. والآخرون يستخدمون هذه الصلاة فى أية مناسبة وفى كل مناسبة. ففى داخل اجتماعات الكنيسة يقولونها فى الجنازات أو الأفراح، فى فرص المعمودية أو العشاء الربانى، فى حفلات التنصيب للوظائف الكنسية أو حفلات الوداع! وفى الممارسات الفردية يقولونها فى المرض أوالألم، يرددونها علىالطعام وقبل قيامهم بأى عمل هام، يذكرونها فى الصباح وفى المساء. وعند مواجهتهم لأى خطر من الأخطار تجدهم يكررون هذه الصلاة وكأن كلماتها محمَّلة بقوة معجزية تعمل الأعاجيب. إنها باختصار فى مفهومهم تشفى من المرض، وتنجى من الخطر، وتجلب السعادة، والبركة لا تأتى إلا بواسطتها! والبعض الآخر يعتقد أن تكرارها عدداً معيناً من المرات يكفّر عن الذنوب والخطايا. هكذا إلى هذا الحد يصل التفكير فى بعض الأحيان! لكن هذه الممارسات كلها خاطئة وبعيدة تماماً عن روح المسيحية، وليس لها أى نصيب فى العبادة بالروح والحق، ولا يوجد لها أدنى سند فى أسفار العهد الجديد كما سنرى بأكثر تفصيل بعد قليل. خلفية إعطاء هذه الصلاة إن هذه الصلاة كما قلنا مراراً هى صلاة نموذجية أعطاها الرب لتلاميذه لتكون نموذجاً للصلاة؛ مجرد نموذج، ومع أنه نموذج رائع جداً، لكن لم يكن القصد منه أبداً أن يكون قطعة من المحفوظات لتردده الجماهير مجتمعين أو فرادى. وأضيف أيضاً إنه نموذج أُعطى لتلاميذ المسيح وقت أن كانوا لا يزالون يعيشون فى جو يهودى. فالمسيحية - كما نعلم - بدأت يوم الخمسين، يوم أُعطى الروح القدس ليسكن فى قلوب المؤمنين، بعد أن تمجد المسيح فى السماء. هذا الأمر الذى لم يدرك الكثيرون مدلوله العظيم ومعناه، فاعتبروا المسيحية مجرد امتداد لليهودية، وكأنهم بذلك وضعوا رقعة من ثوب جديد على ثوب عتيق (انظر لو5: 36). لقد قال المسيح لتلاميذه - قبل أن يترك العالم عن طريق الصليب - مفتتحاً بذلك عصراً جديداً؛ هو عصر الكنيسة، قال : «فى ذلك اليوم لا تسألوننى شيئا. الحق الحق أقول لكم إن كل ما طلبتم من الآب باسمى يعطيكم. إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمى، اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً» (يو16: 23،24). وهذا يدل على أن هذه الصلاة التى علَّمها المسيح لتلاميذه ليست صلاة فى اسم المسيح. والآن ماذا يعنى أن نصلى فى اسم المسيح؟ أهو مجرد أن نختم صلواتنا للآب بالقول «فى اسم المسيح أجبنا»؟ طبعا ليس هذا هو المعنى المقصود. فعندما مات المسيح وقام (وليس قبل ذلك) فقد أعطى المؤمنين به نفس مركزه أمام الله. وعليه فأن نصلى فى اسم المسيح يعنى أن نطلب من الآب ونحن فى ملء اليقين بأن لنا نفس مركز المسيح أمام الآب، وأنه يحبنا كما أحبه. كلام بداءة المسيح فى الأصحاح الخامس من الرسالـة إلى العبرانيين وبخ الرسول بولس العبرانيين لتوقفهم عند مسـتوى الطفولة فقال لهم «لأنكم إذ كان ينبغى أن تكونوا معلمين لسبب طول الزمان تحتاجون أن يعلمكم أحد ما هى أركان بداءة أقوال الله، وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعام قوى. لأن كل من يتناول اللبن (أى الذى توقف عند مستوى الطفولة الروحية) هو عديم الخبرة فى كلام البر لأنه طفل» وكلام البر الذى يقصده الرسول هنا هو المركز المبارك والسـامى الذى أدخلنا إليه المسيح بعمله فوق الصليب. عندما جعل الله ابنه «الذى لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه» (2كو5: 21). ثم يستطرد كاتب العبرانيين قائلا « لذلك ونحن تاركون كلام بداءة المسيح لنتقدم إلى الكمال». وكلام بداءة المسيح الذى يطلب الرسول هنا أن نتركه يعنى الكلام الذى قيل عنه لما كان المسيح هنا بالجسد على الأرض؛ فى أيام يوحنا المعمدان، ثم بعد ذلك فى كرازة الرب يسوع نفسه لليهود، عندما دوت الصـيحة فى اليهودية «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات». فى ذلك الوقت قُدم لليهود - كما يعرف ذلك جيداً العبرانيون الذين إليهم وُجهت الرسالة - كـلام بداءة المسيح. إن التعاليم التى قيلت عن المسيح، بل وتعاليم المسيح نفسها فى تلك الفترة، هى كلام بداءة المسيح. وطبعاً كل ما قيل عن المسيح سواء فى العهد القديم بالأنبياء، أو عندما أتى المعمدان مهيئ الطريق أمامه، أو ما قاله المسيح نفسه، هذا الكلام كله صواب. والرسـول لا يقول هنا إن هذا الكلام كان خطأ ويجب علينا أن نصححه. حاشا، فهو صواب ويظل كذلك دائماً، بل يعتبره كلاماً بدائياً، علينا أن نتجاوزه واصلين إلى الكمال. هذا الكمال الذى لم يكن قد أُعلن بعد أثناء وجود المسيح هنا على الأرض. ولقد أشار المسيح نفسه إلى هذا الكمال فى كلامه للتلاميذ فى آخر يوم له معهم لما كان على الأرض بالقول «إن لى أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك؛ روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق» (يو16: 12،13). وبعد هذه الأقوال قال المسيح « فى ذلك اليوم (أى يوم الروح القدس الذى نحن نعيشه الآن) لا تسألوننى شيئا. الحق الحق أقـول لكم إن كل ما طلبتم من الآب باسمى يعطيكم. إلى الآن لم تطلبوا شيئا باسمى. اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملا» (يو16: 23،24). فحتى الصليب كانت صلوات القديسين مختلفة تماماً عما صارته بعد موت المسيح وقيامته وصعوده، ثم مجئ الروح القدس يوم الخمسين. فليس فقط لم يكـن للمؤمنين نفس علاقة المسيح أمام الله، بل أيضا لم تكن صلواتهم فى الروح القدس، لكنها كذلك الآن نظراً لسكنى الروح القدس فى قلوبنا (يه20)، فتم بذلك وضع المؤمنين فى مركز جديد عجيب «فى ذلك اليوم تعلمون أنى أنا فى أبى وأنتم فى وأنا فيكم» (يو14: 20) ونظراً لهذا المركز العجيب، نحن نطلب من الآب فى الروح القدس باسم المسيح! لذلك فلعله من الملاحظ أن هذه الصلاة لم تُستخدم ولا مرة واحدة فى سفر الأعمال، رغم الإشارات المتكررة إلى الكثير من الممارسات؛ مثل المعمودية وكسر الخبز، ورغم الإشارات إلى اجتماعات ومناسبات عديدة للصلاة، ورغم أن كلاً من سفر الأعمال والرسائل ذكر لنا العديد من الصلوات، لكن رغم كل هذا فإنه لا ترد أدنى إشارة إلى هذه الصلاة. خلاصة ما تقدم من كل ما سبق نخلص إلى أن هذه الصلاة علمها المسيح لتلاميذه الذين كانوا لا يزالون يهوداً - لأن المسيحية بدأت من يـوم الخمسين، يوم نزول الروح القدس من السماء ليسكن فى قلوب المؤمنين، بعد ارتفاع المسيح إلى السماء - وهو علَّمها لهم لا لتكون قطعة محفوظات تردد فى أية مناسبة، أو تردد عدداً معيناً من المرات، فى الواقع هو أعطاها لهم لكى يعلمهم كيف يتحاشوا التكرار الباطل، لا ليقودهم إليه. أليس عجيباً إذاً أن الرب الذى كان يعلم تلاميذه عدم تكرار الكلام فى الصلاة، ولذلك علمهم هذه الصلاة النموذجية، صارت هذه الصـلاة بعينها هى أكثر صلاة تردد كما هى سواء كان الوعى حاضراً أم غائباً، وسواء كان قائلها يعنى ما يقول أم لا يعنيه، بل وأيضاً سواء كان مولوداً من الله أم غير مولود! طبعاً لا تزال أجزاء من هذه الصلاة تناسبنا، كما سنرى بعد قليل، ولا بأس من استعمالها من هذا الجانب إذا قادنا الروح القدس إليه. أما أن نرددها بجملتها كقطعة محفوظات، وأما أن يرددها جميع الحاضرين فى الاجتماع سواء كانوا مولودين من الله أم غير مولودين، فلا يمكن للمسيحى الواعى لحقيقة مركزه الجديد الذى نتج عن موت المسيح وقيامته وصعوده إلى السماء ومجىء الروح القدس ليسكن فينا أن يوافق عليه. إن الرسول بولس يوضح فى رومية 8 أن المسيحى الحقيقى امتلك الروح القدس (ع14-16)، وهو يعين ضعفاتنا فى الصلاة وأنه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها (ع26،27). وهذا معناه أننا نسلم قيادتنا للروح القدس الساكن فينا ليقودنا إلى طلب ما هو بحسب مشيئة الله فى حياتنا. لقد كان المسيح فى أثناء وجوده مع التلاميذ يعين ضعفاتهم ويعلمهم ما يجب أن يصلوا لأجله. أما نحن الآن فقد نلنا وعد المسيح بإرسال معزياً آخر إلينا، وهذا المعزى يعين ضعفاتنا ويشفع فينا. نعم إنه فينا وليس فقط معنا كما كان المسيح لما كان هنا على الأرض، ولهذا فإنه يشفع فينا، ولهذا أيضا نحن لا نستعمل صلوات محفوظة، بل نصلى بحسب ما يقودنا إليه الروح القدس الساكن فينا. (4) الاستخدام الكامل للصلاة النموذجية ذكرنا فى الفصل السابق أن الصلاة المعروفة عند غالبية المسيحيين باسم الصلاة الربانية، إنما هى صلاة نموذجية علَّمها المسيح لتلاميذه لا لتردد كقطعة من المحفوظات فى كل المناسبات، ولا لتردد من جموع الحاضرين فى أماكن العبادة سواء كان هؤلاء مولودين من الله أم غير مولودين، فهذا الأسلوب بعيد تماماً عن السجود بالروح والحق الذى هو من امتياز المؤمنين فى الوقت الحاضر؛ الأبناء البالغين الذين سكن فيهم الروح القدس ليعين ضعفاتهم أثناء الصلاة أو السجود. وعرفنا أيضا أن هذه الصلاة علمها المسيح لتلاميذه عندما كانوا لا يزالون يهوداً، فكانت تناسبهم وقت تعليم الـرب إياها لهم، لكنها لا تناسبنا نحن فى الوقت الحاضر ونحن فى المركز الجديد العظيم؛ «الكمال»، الذى قال الرسول عنه للعبرانيين أن نتقدم إليه، «تاركين كلام بداءة المسيح» (عب6: 1). والآن إن كـان انطباقها الكامل ليس علينا فى الوقت الحاضر، فهل هناك آخرون ستنطبق عليهم هذه الصلاة وسيصلونها، وتكون فى تمام المناسبة مع حالتهم؟ الإجابة هى بكل يقين نعم، وهو ما سيتضح لنا ونحن ندرس فقرات هذه الصلاة العظيمة أبانا الذى فى السماوات لقد أحضرنا المسيح بفضل دمه إلى مركز القرب العجيب من الآب، فيعرفنا الرسول فى الرسالة إلى أفسس أننا الآن جـالسون فى السماويات فى المسيح. وعليه فإن عبارة «أبانا الذى فى السماوات» لا تعطى التعبير الدقيق لهذا المركز. فهذه الصلاة - كما ذكرنا - أُعطيت للتلاميذ وهم لا زالوا يهوداً، تنطبق عليهم كلمـات الحكيم «لأن الله فى السماوات، وأنت على الأرض، فلذلك لتكن كلماتـك قليلة» (جا5: 2). أما المسيحى الذى هو الآن جالس فى السماوات، والذى صار له الحق بالدخول إلى الأقداس السماوية بدم يسوع (عب10: 19، 9: 24)، فإن له أسلوباً مختلفاً. ففى نفس رسالة أفسس التى أعلن الرسول فيها مركز المؤمن السماوى، عندما صلى الرسول للآب قال «أحنى ركبتى لدى أبى ربنا يسوع المسيح» (أف3: 14). أما العبارة بهذه الصورة فبالإضافة إلى أنها كـانت تناسب التلاميذ فى وقتهم أيام وجود المسيح معهم على الأرض، فإنها أيضا ستناسب البقية التقية فى المستقبل الذين رغم تعيير الأشرار لهم، سيكون لسان حالهم هو لغة المزمور «إن إلهنا فى السماء. كلما شاء صنع» (مز115: 3). « يعرف دارسوا الكتاب أنه بعد اختطاف الكنيسة سيجتاز اليهود فى ضيقة عظيمة هى ضيقة يعقوب (إر30: 7، مت24: 21،...). وفى أثناء هذه الضيقة سيُجبر الجميع على السجود لأشر شخصين فى كل التاريخ، هما الوحش والنبى الكذاب. لكن الله فى نعمته سيتعامل مع بقية من هذا الشعب ترفض السجود للإنسان أو الشيطان، فيتعرضون للاضطهاد الشديد، وكثيرون منهم يستشهدون فعلاً. (لمزيد من التفصيلات: أنظر تلخيص سفر الرؤيا - للمؤلف» ليتقدس اسمك هذه الطلبة تناسب المؤمنين فى كل زمان، فاسم الرب دائما اسم مقدس ويليق به التقديس. لكن البقية فى فترة الضيقة العظيمة سيحسون بصفة خاصة بأهمية هذه الطلبة؛ ففى ذلك الوقت سيكون اسم الوحش وعدد اسمه موضوعـاً على كل شئ، ولن يقدر أحد أن يبيع أو يشترى إلا الذى له السمة أو اسم الوحش أو عدد اسمه (رؤ13: 16،17). ولهذا سيصلى القديسون قائلين «ليتقدس اسمك»؛ ليعلُ هذا الاسم المجيد، وليُحَط بما يليق به من إكرام وتوقير. وسيتوقون إلى الوقت الذى فيه تعم القداسة فى كل الأرض، ويكون حتى على أجراس الخيل «قدسٌ للرب» (زك14: 20،21). وبينما الناس ستطبع اسم الوحش على جباههم، فإن تلك البقية الأمينة سيكون اسم الآب مكتوباً على جباههم (رؤ14: 1). ليأتِ ملكوتك نحن طبعا ننتظر الملكوت، إذ يقول الرسول بطرس «منتظرين وطالبين سرعة مجئ يوم (الله)» (2بط3: 12)، ونشتاق بصفة خاصة إلى الملكوت فى دائرته السماوية «ملكوت أبينا» حيث سيشع لا البر فحسب (فهذا مجاله ملكوت الله) بل النعمة أيضاً (كمدلول اسـم الآب)، من ثم يمتد هذا الملكوت ليصل إلى الأبدية عندما يسلـم ابن الإنسان الملك لله الآب. نعم نحن ننتظر ذلك ونتمنى حدوثه، لكننا نعرف أن ذلك لن يتم قبل الاختطاف. والآن هل الفتاة المخطوبة مثلاً تصلى إلى الله ليرزقها أولاداً؟ طبعاً هى لا تفعل ذلك ليس لأن هذا شر أو خطأ، بل لأن هناك شيئاً يسبقه؛ فهى تصلى أولاً ليتمم الرب زفافها، وبعد ذلك يأتى دور المشغولية بالأولاد. هكذا الأمر معنا؛ فمع أننا ننتظر بصبر يوم يُكرم المسيح وتتم مشيئة الآب على الأرض. لكننا قبل ذلك ننتظر مجئ المسيح للاختطاف. إن الطلبة التى تناسبنا نحن الآن هى ما ورد فى آخر سفر الرؤيا «آمين تعال أيها الرب يسوع» (رؤ22: 20). لقد كان الملكوت هو موضوع انتظار اليهود فى أيام المسيح (لو19: 11، أع1: 6)، متوافقاً مع ما أعلنه المعمدان ثم المسيح من بعده «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات» (مت3: 2، 4: 17). وما كان التلاميذ يومها يعرفون شيئا عن صعود المسيح إلى السماء ووعده بالمجئ ثانية لأخذنا إليه كيما نكون كل حين مع الرب (1تس4: 15-17). وكما كان الملكوت موضوع انتظار اليهود أيام تجسد المسيح، سيكون هو أيضاً موضوع انتظار البقية التقية بعد اختطاف الكنيسة، عندما يعود الرب ليتعامل مع شعبه الأرضى، وعندما تعود من جديد الكرازة ببشارة الملكوت (مت24: 14). إن البقية الأمينة من هذا الشعب عندما ترى رجسـة الخراب التى تكلم عنها دانيال النبى فى المكان المقدس، وعندما يُصلون لكى لا يكون هربهم فى شتاء ولا فى سبت (مت24: 20)، ساعتها سيصلون هذه الصلاة «ليأت ملكوتك» لأنها ستناسبهم تماماً فى ذلك الوقت. وطبعاً لا يمكن أن يكون المقصود من هذه الطلبة ما يذهب إليه البعض أنه ملك الله الأدبى وسيادته وسلطانه، فهذا قائم بالفعل من بدء الخليقة بدون توقف، ولا يحتاج منا أن نطلبه. فحتى فى أشد الأيام ظلاماً وظلماً قال دانيال إن «العلى متسلط فى مملكة الناس» وأيضا «السماء سلطان»، بل واعترف نبوخذ نصر نفسه أن «العلى.. الحى إلى أبد الآبدين.. سلطانه سلطان أبدى وملكوته إلى دور فدور» (دا4: 25،26، 34). نعـم إنه هو «ملك الدهور الذى لا يفنى ولا يُرى» (1تى 1: 17). ومع ذلك فإن نفس سفر دانيال يتحدث عن وقت فيه «يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر . . . وهى تثبت إلى الأبد» (دا2: 44). هذا هو الملكوت المتنبأ عنه فى نبوات العهد القديم، والذى ستردده البقية فى فترة الضيقة العظيمة قائلة: «ليأت ملكوتك». والعجيب والمحيِّر فى نفس الوقت أن عدداً كبيراً ممن يطلبون هذه الطلبة ليل نهار، لا يريدون أن يؤمنوا بأن الملك الحرفى سيأتى على الأرض إطـلاقاً، ورغم ذلك فهم لا يكفون عن ترديد الطلبة قائلين «ليأتِ ملكوتك»!! أما نحن فكما ذكرنا آنفاً فإننا ننتظر الاختطاف، نعم نحن ننتظر الآن «مجئ الرب» لا «يوم الرب»، والفارق بين الاثنين كبير؛ فالأول هو رجاء الكنيسة، بينما الثانى هو رجاء إسرائيل والأرض (انظر 1تس 4،5). لتكن مشيئتك كما فى السماء كذلك على الأرض مرة أخرى نقول : هل الشخص المدرك لطبيعة الأيام التى نعيش فيها يمكن بوعى أن يطلب طلبة كهذه؟ هل ستتم مشيئة الآب على الأرض كما هى متممة فى السماء فى وقتنا الحاضر؟ ألا يقول الكتاب صريحاً إن الناس الأشرار المزورين سيتقدمون إلى أردأ مضِلِّين ومضَلين (2تى3: 13)؟ ألا يقول الكتاب إن سر الإثم الآن يعمل فقط إلى أن يُرفع من الوسط الذى يحجز الآن، وحينئذ سيُستعلن الأثيم (2تس2: 7،8) وما هو الإثم إلا فعل الإرادة الذاتية؟ ومن هو الأثيم إلا ذاك الملك الذى «يفعل.. كإرادته» (دا11: 36) فكيف والحال هكذا يمكن أن تتم مشيئة الله على الأرض كما هى متممة فى السماء؟! بل الكنيسة نفسها ألا يعلمنا الكتاب أنها تركت من البداية محبتها الأولى، وأنه عن قريب بعد اختطاف الكنيسة الحقيقية إلى السماء، فإن المسيح سيتقيأ المسيحية المرتدة عنه (انظر رؤ2،3)؟! يوضح المسيح فى مكان آخر أنه طالما نحن مازلنا فى زمان النعمة فإن الزوان والحنطة سينميان كلاهما معا إلى الحصاد (مت13: 24-30، 37-43)، وبالتالى لا يمكن أن تتـم فى الوقت الحاضر مشيئة الآب على الأرض كما هى متممة فى السماء. ومع ذلك فلابد أن يتم ذلك الأمر، لكن ليس الآن؛ فسكان المسكونة سيتعلمون العدل، ليس فى فترة النعمة الحاضرة، كقول النبى « يُرحم المنافق ولا يتعلم العدل» (إش26: 10)، بل فى فترة القوة المستقبلة، كقول النبى أيضاً « حينما تكون أحكامك فى الأرض يتعلم سكان المسكونة العدل» (إش 26: 9). فى ذلك الوقت السعيد ستمتلئ الأرض «من معرفة مجد الرب كما تغطى المياه البحر» (حب2: 14) وقتها سيتم القول «لا يُعلِّمون كل واحد قريبه وكل واحد أخاه قائلا اعرف الرب لأن الجميع سيعرفوننى من صغيرهم إلى كبيرهم» (عب8: 11) خبزنا كفافنا أعطنا ليوم واضح أن الرب لم يكن يقصد بهذه الطلبة القوت الروحى، لكن كان يقصد القوت الجسدى لا الروحى. فالقوت الروحى لا يصح أن يكتفى منه بالكفاف. فإذا فهمنا هذا فهمنا أنه ليس من المناسب لشخص عنده من القوت ما يكفى اليوم وما بعده، عوض أن يشكر الله على ما أغدقه عليه، فإنه يطلب منه أن يزوده بخبز اليوم فحسب! لكننا كما نقول دائما إنها فى تمام المناسبة للبقية التقية فى فترة الضيقة العظيمة. فكما يخبرنا الوحى إنه فى ذلك الزمان لن يقدر أحد أن يشترى أو يبيع إلا الذى له سمة الوحش على يده أو جبهته (رؤ 13: 16،17). هذا بالإضافة إلى موجة الغلاء الرهيب الذى ستعم العالم بعد الاختطاف مباشرة (رؤ6: 5،6). فكيف ستسدد احتياجـات هذه البقية فى زمن عصيب كهذا؟ الإجابة إن الذى عال إيليا فى زمان المجاعة التى استمرت ثلاث سنين ونصف، وعـاله فيها بطريقة معجزية لا تخطر لأحد على بال، هو الذى سيعتنى بالبقية الأمينة فى احتياجاتهم الجسدية فى زمان مشابه لزمان إيليا فى الشر وفى المدة أيضاً. ونلاحظ أن الـرب كان يعطى لإيليا الطعام يوماً فيوماً، سواء عند نهر كريث أو عند أرملة صرفة صيدا. لم يكن يعطيه ما يختزنه للغد، وهكذا فإن البقية ستطلب الخبز من الرب يوماً فيوماً. إن الرب فى تلك الأيام هو الذى سيسدد احتياجاتهم كقول الكتاب عن المرأة التى سيضطهدها التنين إنها «هربت إلى البرية حيث لها موضع من الله لكى يعولها هناك ألفا ومئتين وستين يوما» (رؤ12: 6). لاحظ أن الفترة هنا محددة باليوم، ولذلك ستطلب البقية قوتها يوماً فيوماً. واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا هل المسيحى الحقيقى الآن يطلب الغفران لخطاياه؟ أما يؤكد الرسول بولس أن «لنا فيه الفداء، بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته» (أف1: 7). أما يكرر الرسول يوحنا نفس الأمر عندما يذكر «كتبت إليكم أيها الأولاد لأنه قد غُفرت لكم الخطايا من أجل اسمه» (1يو2: 12)؟ إن حقيقة الغفران الكـامل ومسامحة الرب لنا بجميع الخطايا لم تُعرف قبل سفك دم المسيح، لأنه بدون سفك دم لاتحصل مغفرة (عب9: 22). لكن بعد موت المسيح وقيامته قال المسيح لتلاميذه « كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى اليوم الثالث، وأن يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم، مُبتَدَأً من أورشليم» (لو24: 46،47). من ثم كانت كرازة الرسل فى سفر الأعمال «له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به، ينال باسمه غفران الخطايا» (أع 10: 43). وأيضا «فليكن معلوما أنه بهذا (الشخص) ينادى لكم بغفران الخطايا، وبهذا يتبرر كل من يؤمن، من كل ما لم تقدروا أن تتبرروا منه بناموس موسى» (أع13: 38،39). لهذا فنحن لا نطلب الغفران، بل بالحرى نقدم الشكر للآب «الذى أهلنا لشركة ميراث القديسين فى النور، الذى أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته، الذى لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا» (كو1: 12-14). وإذا قال واحد إن المقصود هنا الغفران الأبوى لا الأبدى، نقول إنه حتى هذا الغفران لا نحصل عليه بأن نقول لله «اغفر لنا ذنوبنا»، فلا حاجة لنا لمثل هذا الطلب، بل بمجرد الاعتراف بالخطية، عندنا الوعد «إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم» (1يو1: 9). فى الواقع إن المبدأ الآن فى المسيحية عكس المبدأ المذكور هنا والذى يناسب أشخاصاً يهوداً. فنحن لا نسأل الغفران على أساس غفراننا نحن للمسيئين إلينا، بل إننا نحن الذين نغفر للمسيئين إلينا كما غُفر لنا « كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضا فى المسـيح » (أف4: 32) وأيضا « محتملين بعضكم بعضا ومسامحين بعضكم بعضا إن كان لأحد على أحد شكوى كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضا» (كو3: 13). وبهذه المناسبة نقول ما أخطر أن تردد طلبة كهذه من جميع الحاضرين فى الاجتماع، بغض النظـر عن علاقتهم بالله، هل ولدوا ثانية أم لا. نعم نقول ما أخطر أن يردد الشخص الذى لم يتمتع بغفران خطاياه الأبدى، عبارة «اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا» وكأن غفران الرب للخاطئ يحصل عليه بعمل من جانبه هو على سبيل المثال من يطلب من الله خبز كفافه لليوم وهو عنده ما يزيد عن حاجة أيام وأسابيع وربما شهور!. ولا تدخلنا فى تجربة نحن يمكننا أيضا أن نطلب من الله هذه الطلبة؛ الحفظ من التجربة. على أن هناك وقتاً عصيباً، يسمى فى الكتاب «ساعة التجربة العتيدة أن تأتى على العالم كله لتجرب الساكنين على الأرض» (رؤ3: 10)، والرب سيحفـظ البقية التقية فى هذه التجربة، لأنه يعلم أن ينقذ الأتقياء من التجربة (2بط2: 9). أما بالنسبة للكنيسـة فإن الرب سيحفظها لا فى هذه الساعة بل من هذه الساعة (رؤ3: 10)، أى أنها لن تشاهد هذه الضيقة العظيمة (رؤ3: 10). لكن نجنا من الشرير وهذه الطلبة أيضا كسابقتها ممكن لنا أن نطلبها، إذ نحتاج إلى حفظ الرب لنا من الشرير. لكن فى أثناء فترة الضيقة العظيمة كما يخبرنا الوحى، فإن الشيطان سوف ينزل من السماء إلى الأرض وبه غضب عظيم عالماً أن له زماناً قليلاً (رؤ12: 12). ولهذه فإن المؤمنين وقتها سيطلبون من الله أن ينجيهم من هذا الشرير فى ذلك الوقت العصيب. * * * * ليت الرب يوسـع طاقاتنا الروحية حتى نميز الأمور المتخالفة (فى1: 10)، ونسلك بوعى فى الامتياز السامى الذى صار لنا فى ربنا يسوع المسيح، الذى له كل المجد. |
![]()
جميع الحقوق محفوظة © 1998-2005 لموقع بيت الله.كوم راجع اتفاقية استخدام الموقع.